عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
375
اللباب في علوم الكتاب
« وأقاموا الصّلاة إنّا لا نضيع أجر المصلحين » أي : لا نضيع « 1 » أجرهم ، كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [ الكهف : 30 ] . فإن قيل : التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة ، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردها بالذّكر ؟ فالجواب : أفردها لعلو مرتبتها ، فإنّها أعظم العبادات بعد الإيمان . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 171 ] وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 171 ) قوله تعالى : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ الآية . قال أبو عبيدة : النّتق : قلع الشيء من موضعه ، والرّمي به ، ومنه : نتق ما في الجراب إذا نفضه فرمى ما فيه ، وامرأة ناتق ، ومنتاق : إذا كانت كثيرة الولادة ، وفي الحديث : « عليكم بزواج الإنكار ، فإنّهنّ أطيب أفواها ، وأنتق أرحاما ، وأرضى باليسير » . وقيل : النّتق : الجذب بشدة . ومنه : نتقت السّقاء إذا جذبته لتقتلع الزّبدة من فم القربة . قال الفرّاء : « هو الرفع » وقال ابن قتيبة : الزّعزعة . وبه فسّره مجاهد . وقال النّابغة : [ الكامل ] 2614 - لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم * طفحت عليك بناتق مذكار « 2 » وكلّها معان متقاربة . قوله : « فوقهم » فيه وجهان : أحدهما : هو متعلّق بمحذوف ، على أنّه حال من الجبل وهي حال مقدرة ؛ لأنّ حالة النّتق لم تكن فوقهم ، لكن بالنّتق صار فوقهم . والثاني : أنه ظرف ل : نتقنا قاله الحوفيّ وأبو البقاء . قال أبو حيان « 3 » : ولا يمكن ذلك ، إلّا أن يضمّن معنى فعل يمكن أن يعمل في فوقهم أي : رفعنا بالنّتق الجبل فوقهم ، فيكون كقوله : وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ [ النساء : 154 ] . فعلى هذا يكون فوقهم منصوبا ب « نتق » لا بمعنى رفع . قوله : « كأنّه ظلّة » في محل نصب على الحال من « الجبل » أيضا فتتعدّد الحال . وقال مكيّ : هي خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو كأنه ظلّة وفيه بعد . والظّلّة : كل ما أظلك . قال عطاء : سقيفة .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر : ديوانه ( 61 ) ، البحر 4 / 41 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 418 .